صديق الحسيني القنوجي البخاري

232

أبجد العلوم

الإمكان ولهذا قيل الجدلي إمّا مجيب يحفظ وضعا أو سائل يهدم وضعا وقد سبق في علم الجدل . قال في مدينة العلوم الفرق بين الجدل الواقع بين أصحاب المذاهب الفرعية كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما وبين علم الخلاف : أن البحث في الجدل بحسب المادة وفي الخلاف بحسب الصورة . وقد صنف بعض العلماء في الخلاف المسائل العشرة ، وبعضهم العشرين ، وبعضهم الثلاثين لتكون مثالا يحتذى بها في غيرها انتهى . وقال ابن خلدون في مقدمته : اعلم أن هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم خلافا لا بد من وقوعه لما قدمناه ، واتسع ذلك إلى الأمة الأربعين من علماء الأمصار وكانوا بمكان من حسن الظن بهم اقتصر الناس على تقليدهم ومنعوا من تقليد سواهم لذهاب الاجتهاد لصعوبة وتشعب العلوم التي هي مواده باتصال الزمان وافتقاد من يقوم على سوى هذه المذاهب الأربعة ، فأقيمت هذه المذاهب الأربعة أصول الملة وأجري الخلاف بين المتمسكين بها والآخذين بأحكامها مجرى الخلاف في النصوص الشرعية والأصول الفقهية ، وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه تجري على أصول صحيحة وطرائق قويمة يحتج بها كل على مذهبه الذي قلده وتمسك به ، وأجريت في مسائل الشريعة كلها وفي كل باب من أبواب الفقه . فتارة يكون الخلاف بين الشافعي ومالك وأبو حنيفة يوافق أحدهما . وتارة بين مالك وأبو حنيفة والشافعي يوافق أحدهما . وتارة بين الشافعي وأبي حنيفة ومالك يوافق أحدهما ، وكان في هذه المناظرات بيان مأخذ هؤلاء الأئمة مثارات اختلافهم ومواقع اجتهادهم ، كان هذا الصنف من العلم يسمى بالخلافيات يحتاج إليها المجتهد إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط ، وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته . وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم ومن أن المطالعين له على الاستدلال فيما يرومون الاستدلال عليه .